الجلسة الثانية عشرة

الجلسة الثانية عشرة

ثورتنا …. والحزبية

 

الثورة الفلسطينية والحزبية

صاغت (فتح) لنفسها من خلال كفاحها ومن وحي القيم التي حركت بناتها, مجموعة من المبادئ, قد يصح أن نطلق عليها استراتيجيتها الفكرية إذا ما أصررنا على التسمية وهذه المبادئ ليست أفكاراً استولدها ذهن فيلسوف بعد تأملات بل أفكار أفرزتها ضرورات تتعلق بالكفاح المسلح كأسلوب من ناحبة وبهدف التحرير كغاية من ناحية أخرى.وكان رائد (فتح) ” في كل ما اختارته لنفسها من مستلزمات فكرية تحكم أعمالها” هو تجنيد كافة الجهود والقوى, إلى أقصى حد من الفعالية, بحيث تنتفي الجهود التي يمكن أن تذهب هدراً أو تذهب لخدمة أهداف جانبية لا تستحق عناء تلك الجهود فيتسخر كل شيء لصالح المعركة المسلحة.

نحن نقول مثلاً أن تحرير فلسطين هو طريق الوحدة وليس العكس لأن التحرير ببساطة يجتث من الطريق أخطر عائق نحو الوحدة. ونحن نقول أننا لن نتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية لأن ذلك يقع خارج نطاق هدف التحرير ولأن فيه تفريطاً للجهود.

واستطراداً نقول: إننا لن نرفع السلاح في وجه غير إسرائيل إلا في حدود الدفاع عن وجودنا كحركة ثورية مسلحة وفي الخيار الأخير. ونحن نقول أننا لا نريد الحزبية .. لماذا؟

الجواب بكلمات قليلة هو أننا لا نريد الحزبية لأن تعددية الولاء الفكري وتشتت سبل العمل اللذين تنطوي عليهما تعددية الأحزاب. ليسا الأداة المثلى لعمل ثورة كثورتنا ومع ذلك فلنمض إلى مزيد من التفصيل ونقول لماذا نرفض الحزبية من زاوية الممارسة العملية أولاً ومن الزاوية الفكرية ثانياً.

عملياً, من يراجع تاريخ الحزبية في العالم العربي يجد أنه ملئ بالخلافات الحادة والإقتتال الدامي. فهذه الأحزاب لم تنظرإلى بعضها البعض كما يجب نظرياً على أنها شريكة في الحياة السياسية, بل يمكن القول أن أحدهما كان يرى في نفسه بديلاً عن كل الأحزاب الأخرى وهكذا لم تكن العلاقات فيما بينها علاقات التعاون والتسابق على الأفضل, بل علاقات تصفية لوجود بعضها البعض وتوجه نظرها إلى وجهات شتى. إن مجتمعاً يضج بالصراع الحزبي أو ينطوي على ذلك ليس هو المجتمع الذي تستطيع جماهيره أن تهب بكاملها متضافرة الأيدي متواردة القلوب فتلهب الثورة وتسير فيها إلى النهاية, نهاية النصر والغلبة.

نظرياً في الجواب على السؤال, لماذا نرفض الحزبية؟ نطرح سؤالاً مقابلاً ما هي حاجة الثورة إلى الحزب؟ الحزب وسيلة لإشراك الشعب أو جزء منه في الحكم سواء أخذنا الحزب بمفهومه الغربي وشريطة أن يكون المجتمع أو الجماعة التي ينبثق الحزب منها قد حققت استقلالها السياسي فوق أرضها, أعني أنه بالنسبة لشعب كالشعب الفلسطيني شرد من أرضه وضاع كيانه السياسي لا يمكن أن يكون الحزب وسيلة للإشتراك في الحكم أي للإشتراك في شيء غير موجود.

إن الشعب الفلسطيني لم يصل إذاً إلى مرحلة التكون السياسي الإستقلالي فوق أرض فلسطين فلا يمكن بالتالي أن تكون الحزبية وسيلة لاشتراك مختلف طبقاته في الحكم, إن الشعب الفلسطيني يعيش لأن انتفاضته بعثاً مسلحاً يشارف مرحلة الثورة التحريرية الشعبية. فما هو دور  الأحزاب في مرحلة الثورة أو مرحلة التحضير لها.

يمكن أن نجيب على ذلك بالقول أن دور الأحزاب في هذه المرحلة ذو شقين:-

أولاً: أن تكون أدوات تنظيم وتعبئة.

ثانياً: أن تتبلور فيها مجموعة الأهداف المرحلية للحزب والإستمرار في الثورة وتوسيعها. وهذه الحوافز لا يمكن أن تكون مجموعة الأهداف المرحلية للحزب أو أفكاره التكتيكية أنها عقائدية تطرح من البداية إلى النهاية في كل مكان وعلى كل صعيد فتوجد العلاقة الدائمة بين الجمهور والعمل المسلح ذي الجوهر الثوري.

على ضوء هذين الشقين, هل تقف انتفاضة الشعب العربي الفلسطيني في موضع حاجة إلى الحزبية؟ لقد استطاعت – فتح أن تبدأ وفي أحلك الظروف وأقساها تعبئة جماهير شعبنا الفلسطيني ولازالت مستمرة في ذلك ولقد وجدت وتجد في ذلك استجابة عميقة كاملة.

ونزلت (فتح) إلى ميدان العمل المسلح متبنية هدفاً لا يقبل الجدل وهو – هدف المعركة حتى النصر – فاستطاعت بذلك أن توجد الحافز الذي لا ينطفئ بريقه والذي يشكل معيناً لا ينضب من الدفع إلى أرض المعركة. إن العمل الفلسطيني المسلح بحد ذاته كان ايقاظاً لأجمل مشاعر الثقة بالنفس, في نفس الوقت التي تتالت على الإنسان الفلسطيني النكبات حتى خيل له أن الإنبعاث مستحيل من تحت كل ذلك الرماد ناهيك عن صورة العودة الظافرة من أرض التشرد والحياة المهيضة إلى الأرض الطيبة والحياة الكريمة.وإذا كان الحزب تعبيراً عن مصالح طبقة أو فئة ما فليس هناك من يجادل في أن مصلحة الشعب الفلسطيني الأولى والأهم هي تحرير أرضه والعودة إليها وهي مصلحة كل فرد فيه وليس مصلحة فرد دون الآخر أو طبقة من طبقاته دون الأخرى. وحركة (فتح) هي التعبير العملي عن التحرير فلولا هذا الهدف لما نشأت ولولا التصاقها به لما استمرت.

إن مفهومنا المتقدم للحزبية له صفتان: الصفة الأولى ليس مفهوماً نهائياً. والصفة الثانية: أنه ليس مفهوماً شاملاً.

أولاً – أنه ليس مفهوما ًنهائياً بمعنى أنه محكوم بالفترة الزمنية التي ستستغرقها عملية التحرير. إن الإنسان الفلسطيني بعد أن ينجز واجبه القومي التاريخي سيتحلل من الواجبات والقيود التي ما كانت لتوجد لولاوجود عملية التحرير, إن انكارنا لحزبية المقاتل الفلسطيني الآن لا يعني أننا نتخذ موقفاً محدداً وصادقاً من العقائديات التي يمتلئ بها عصرنا. إن السؤال عن أي من العقائديات ستختار بعد التحرير وهو غالباً المقصود بالسؤال الذي يصوغه الآخرون خطأ دون قصد مضمون – حركتنا الإجتماعي وهو المضمون الذي لا يختلف عن مضمون ثورة تحرير, أقول أما السؤال عن أي من العقائديات سنختار بعد التحرير فلا يمكن أن نلقي جوابه منذ الآن فهو رهن بما تريده جماهير شعبنا آنذاك لأن الثورة هي حركة الجماهير ومصلحة الثورة يجب أن تكون ما تمثل فيه مصلحة الجماهير.

إن من يدرسون ردود الفعل الإجتماعية والسياسية التي خلفتها نكبة 1948 سوف يلاحظون ولا شك أن جماهير الشعب العربي الفلسطيني في جنون خيبة الأمل التي عاشتها راحت تفتش عن الوسائل التي تتوسل بها لاستعادة الوطن الضائع. وسيجدون أن أبناء فلسطين في غالبيتهم قد انخرطوا في هذا التنظيم أو ذاك لأنهم وجدوه يحتضن برامج وغايات اعتبروها وسيلة غير مباشرة لتحرير فلسطين, هذا على الرغم من أن قسماً منهم إن لم يكن غالبيتهم فيه لم تتلمس الهدف الأساسي وأصبح يتعلق تعلقاً مباشراً بالحزب الذي اختاره وأباح لنفسه أن ينظر لقضيته من خلال الحزب وأن ينظر إلى الحزب من خلال قضيته, والآن تقوم فتح بتركيز الهرم المقلوب على قاعدته من جديد. تذهب بالإنسان العربي الفلسطيني مباشرة. إلى الميدان للقيام بواجب التحرير. إننا نسير إلى الميدان طليعة لأمتنا بدلاً من أن نقصر وتذهب أمتنا فتقاتل.

إن صميم القضية بالنسبة لحزبية الإنسان الفلسطيني هو أننا لا نريده مقاتلاً ثائراً فحسب وإذا شاء أن يحمل في رأسه قناعات فكريه فله ذلك لأن له فكر يجب أن يحترم لكنه يحملها مجمدة ويعود إليها بعد أن يستكمل هدف التحرير إذا شاء.

ثانياً: الصفة الثانية لمفهومنا عن الحزبية  أنها ليست مفهوماً شاملاً, هذا يعني أننا عندما ننكرها على الإنسان العربي الفلسطيني فإننا لا ننكرها على الإنسان العربي في أقطار الأمة العربية الأخرى الآن أوغداً. وهو يعني أيضاً أننا لسنا ضد الحزبية كمبدأ فنحن نؤمن بها كوسيلة من وسائل الديمقراطية سواء بالمفهوم الكلاسيكي الغربي للديمقراطية أو بمفهومها الشعبي الشرقي. إن صميم نظرتنا إلى الحزبية هي أنها ليست وسيلتنا المناسبة في هذه المرحلة من تاريخ شعبنا الفلسطيني المشرد.

 

 

وثورة حتى النصر