الجلسة العاشرة

الجلسة العاشرة

كفاحنا المسلح – جدواه .. وكيف يجب أن نفهم مسيره 

 

من التساؤلات التي أخذت تطرح في المدة الأخيرة بإلحاح, سؤال لا بد من الإجابة عليه في غمرة كفاحنا الذي بدأناه ونحن نعرف منتهاه. هذا السؤال كما يصوغه البعض هو: كيف يمكن لكفاحنا المسلح أن يتطور في ثورة حتى النصر؟ وكما يصوغه البعض الآخر تحت تأثير مفاهيم معينة: هل يمكن لهذا الكفاح أن ينتزع النصر على دولة منظمة ذات جيش قوي؟

للإجابة على هذا السؤال, لا بد من التطرق إلى القول بأن الطريقة التي عالجت بها الدول العربية قضية فلسطين إنما فشلت لخطأين رئيسين أدييا إلى هزيمتين مروعتين خلال أقل من عشرين سنة.

أولاً: اقتناع الحكومات العربية بأن الكيان الإسرائيلي العدواني لا يمكن القضاء عليه إلا من خلال حرب سريعة تقوم بشنها الجيوش العربية التقليدية وحدها فتقوض هذا الكيان ونقضي عليه.

الثاني: إبعاد الجماهير – الفلسطينية خاصة والعربية عامة – عن المعركة رغم أن التحدي أساساً هو بمواجهتهم والمصير عموماً هو مصيرهم.

وليس فشل الجيوش العربية في معركة أو معركتين هو الذي جعلنا نؤمن بعدم جدوى المعركة كلاسيكياً وإنما هو استحالة تصفية الكيان الإسرائيلي دولياً وفكرياً واجتماعياً واقتصادياً – حتى في حال النصر – بمجرد توقف القتال بين الجيوش لأن احتلال الجيوش السريع للمدن لا ينهي (إسرائيل) كدولة معترف بها دولياً, ولأن السكان سيبقون في المدن, ولأنه لا يمكن أن نتصرف في حال انتصارنا تصرفات غير إنسانية كالتصفية الجسدية والقتل الجماعي وغيرها وسيبدأ بالتالي ضغط دولي لسحب الجيوش ( الأجنبية) التي احتلت أرض دولة معترف بها وسيتلو ذلك ضغوط اقتصادية وسياسية بل وعسكرية لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه. أقول هذا علماً بأن استراتيجية فتح توسع مكاناً للجيوش العربية كوجود لا يمكن تجاهله في الساحة وكعامل حاسم في نهاية الأمر, رغم أن استراتيجية (فتح) مبنية أساساً على أن جماهيرنا العربية (وحدها) تستطيع بحرب  طويلة الأمد أن تصفي كيان الإغتصاب الصهيوني.

إن الحرب الجماهيرية وحدها هي القادرة على زيادة هجرة السكان من إسرائيل نتيجة يأسهم من إمكانية البقاء في أرضنا. ولما سيحل بهم من دمار اقتصادي وقلق نفسي وهذا وحده نتيجة طول المدة هو الذي سيصفي إسرائيل دولياً (كدولة معترف بها) وفكرياً (كفكرة صهيونية قابلة للنجاح) واجتماعياً (كغزاة غاصبين استوطنوا مدننا وقرانا) واقتصادياً (كرساميل أجنبية وسياحة وصناعة). كل هذا يحتم القول بضرورة اعتماد حرب جماهيرية مقبولة دولياً, يشنها شعب اعتدي عليه واغتصبت أرضه, ضد غزاة غاصبين.

لذلك – إذا اقتنعنا بوجود هذين الخطأين, وآمنا بضرورة الإستفادة منهما سنصل حتماً إلى أن الحرب لاستئصال الكيان الصهيوني العدواني ستكون حرباً غير تقليدية تخوضها جماهيرنا وجماهير أمتنا العربية بما أوتيت من إمكانيات وطاقات مع إفساح مكان في نهاية هذه الحرب للجيوش التقليدية.

هنا – نستطيع أن نطرح سؤالنا حول كيفية انتزاع النصر وجدوى كفاحنا المسلح, من المعلوم أن مراحل الثورة الثلاث هي: حرب الفدائيين ثم حرب العصابات ثم حرب التحرير الشعبية, وكذلك من الثابت أن إسرائيل بوضعها الحالي ليست سوى (تجربة) لإقناع يهود العالم بفكرة إسرائيل الكبرى التي حددت مبدئياً, في البلاد الواقعة بين الفرات والنيل فإذا نجحت الدولة (التجربة) سعى إليها كل يهود العالم توطئة لتحقيق إسرائيل الكبرى.

وحيث أن هذه التجربة تحتاج لكي تنجح إلى مزيد من المهاجرين ومزيد من الرساميل الأجنبية ومزيد من السياحة لكي يعود السائحون دعاة للدولة (التجربة) فإنه لا يمكن جلب المهاجرين والرساميل والسياح إلا بالإستقرار والهدوء ونحن علينا أن نقوض بنيانها ونجهض مخططاتها وبرامج التنمية فيها وذلك بتوجيه ضربات موجعة متوالية إلى المشاريع الحيوية فيها كالمصانع والمنشآت والمحاصيل الزراعية, وحين تنشر البطالة ويتقلص الإنتاج تسيطر الفوضى ويعم الفساد. قيهاجر اليهود منها بدلاً من الهجرة إليها, وتهرب الرساميل الأجنبية بدلاً من القدوم إليها ويمتنع السياح الساعون وراء المتعة عن زيارتها عند ذلك تصبح الحياة صعبة ومتعذرة في إسرائيل وتصبح كشجرة ضخمة منعت عنها السقاية والعناية مما سهل أن تجتث وتباع حطباً.

يستطيع البعض هنا أن يقول هذا نظرياً صحيح ولكن عملياً صعب التنفيذ.

أولاً: لأن العدو يتفوق بأعداده على أعداد قوات الثورة.

ثانياً: ولأن إسرائيل تملك جيشاً يتمتع بقوة تكتيكية هائلة ويتميز بسرعة الحركة, كما تقدم له أمريكا خلاصة تجاربها في فيتنام.

ثالثاً: ولأن العمل سيدفع إسرائيل إلى البطش بأخواننا الذين وقعوا تحت احتلالها وإلى طردهم من وطنهم مما يسهل لها تنفيذ مخططاتها.

رابعاً: ولأن طبيعة فلسطين, طبيعة مجافية لحرب العصابات, حيث لا غابات ولا مستنقعات ولا جبال, إلا أن هذا القول – الذي يبدو منطقياً لأول وهلة – يتهاوى إذا  خضع للمنطق الثوري الذي لا يرى مخاطر الطريق أكثر دافع لتحديها والتغلب عليها بحيث:

أولاً: إن القول بأن التوازن البشري بيننا وبين قوات العدو مفقود قول مخالف للواقع, لأن الشعب الفلسطيني ما هو إلا طليعة الشعوب العربية التي يهددها الخطر الصهيوني وهذه الشعوب أكثر عدة وعدداً من العدووهي في نفس الوقت من العوامل المساعدة لانتزاع النصر.

كما أنه ليس في الموازنة العددية اعتبارها الفارق المرجح لصالح الخصم الأكثر عدداً, سوى محاولة تهويلية لتهبيط الهمم, وتاريخنا يحدثنا عن (فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بالإضافة إلى أن حرب العصابات تعتمد أسلوب توجيه ضربات بأعداد كبيرة من الثوار إلى أعداد قليلة من العدو ويمكن سحقها قبل وصول النجدات الأخرى من العدو والأكثر عدداُ بشكل.

ثانياً: أما الحديث عن قوة الجيش الإسرائيلي (التكتيكي) وسرعته والخبرات التي تقدمها له أمريكا فهي – مع عدم الإنتقاص من حقيقتها –  وهم تضخم في أذهان الكثيرين حتى أخذوا يشعرون برهبته ولكننا – بواقعية مطلقة وبخبرتنا النضالية والقتالية معه – نقول بأن جيش إسرائيل, جيش عادي برجاله وعتاده وقد استطاع الثوار في فيتنام أن يمرغوا الوحل جيشاً أكثر بكثير عدداً وقوة وسرعة (وتكتيكاً) وأن يجبروه على الإعتراف (بعجز التكتيك) أمام إرادة الحياة التي تغمر صدور الرجال كما أن أبطالنا في الجزائر استطاعو أن ينتزعوا نصراً فريداً ضد جيش تملكه دولة كبرى وأن يجبروا على التقهقر والإنسحاب بعتاده وسلاحه (وتكتيكه).

أماخبرات أمريكا في فيتنام التي تقدمها إلى إسرائيل فإنها – على العكس مما ترجوه أمريكا وإسرائيل – دافع لنا لتطوير اسلحتنا وأساليبنا ومخططاتنا, ورفعها إلى أقصى درجة من التقدم خاصة إذا استفيد من الإمكانيات الضخمة التي تستطيع الأمة العربية تقديمها خدمة لهذا التطور.

ثالثاً: أما الخوف من بطش إسرائيل بأخواننا الذين وقعوا تحت الإحتلال الإسرائيلي فإننا نستطيع القول بأن الألم الذي يفرض على أخواننا أن يتحملوه, هو الذي سيدفعهم إلى احتضان الثورة وتصعيدها ويجب أن لا نشعر بالإنزعاج حين يندفع العدو – نتيجة للضربات القاسية التي يوجهها إليه – إلى الإنتقام من أخواننا, وذلك لأنه يجب أن لا يشعر أخواننا في المنطقة المحتلة بالإستقرار في ظل الإحتلال. وغني عن الذكر أن ثوار الجزائر كانوا يتعمدون إثارة الجيش الفرنسي في المناطق الهادئه والبعيدة عن الثورة لكي يندفع إلى الإنتقام من الأهالي مما كان يؤدي إلى إعادة تلك المناطق إلى جو الثورة كما أن طرد أخواننا من ديارهم المحتلة لا يكون بحد ذاته مزعجاً وخاصة إذا كان طردهم إلى المناطق العربية المجاورة التي هي ميدان الإستعداد والتجهيز للثورة, مما يعني الإستفادة منهم وإعادتهم إلى بلادهم مقاتلين ناقمين. ولا شك أن طرد السكان من ديارهم يكون مزعجاً إذا اتبع ذلك هدوء كالذي أعقب نكبة سنة 1948.

رابعاً: أما الحديث عن طبيعة فلسطين المجافية لحرب العصابات فإنه من البديهي أن نقول أن حرب العصابات تحتاج لكي تصنع النصر إلى الإنسان والتنظيم والسلاح وليس إلى الغابات والجبال والمستنقعات لأنه بتوفر الإنسان والتنظيم والسلاح يمكن تكييف ظروفنا – وخاصة الطبيعية – مع الخصائص التي تتميز بها حربنا مع الصهيونية والإستفادة منها لصنع تجربة ثورية ناجحة, لأن الكفاح المسلح في أي بلد يلاقي في شروطنا نوعية خاصة به لابد من اكتشافها مهما كانت التضحيات ولكنها حتماً ليست شروطاً (طبيعية) كتلك المتعلقة بالغابات والمستنقعات والجبال.

لذلك فإننا بالإستفادة من التجارب الثورية في العالم, مع وعي ماسبق يمكننا أن نذكر خصائص حربنا مع الصهيونية والظروف المحيطة بها وتتلخص في الخصائص التالية:

1 – إن الأرض التي يتهددها الخطر الصهيوني (خطر إسرائيل الكبرى) هي الأرض التي تقع بين الفرات والنيل, أي أن جماهير الثورة في مراحلها المقبلة هم أهل هذه البلاد الذين تعنيهم المعركة جميعهم بنفس الحدة والعمق, ففلسطين المحتلة هي جزء من أطماع أوسع (تبلورت بحدة أكثر بعد عدوان حزيران 1967) وكل الفرق بين فلسطين وغيرها هو أنه بدئ بالوطن الفلسطيني وأجل ابتلاع الوطن السوري والمصري والعراقي والأردني واللبناني والحجازي إلى مرحلة مقبلة من مراحل تنفيذ الأطماع.

وهذا يقودنا إلى القول بمسلمة لابد من وعي أهميتها وخطورتها وهي أن الجماهير الفلسطينية ما هي إلا طليعة الأمة العربية نحو التحرير وأن اقتصار العمل عليهم في المرحلة الراهنة ما هو إلا تخطيط مرحلي لدق أسماع الرأي العام العالمي الذي اقتنع بحرب يشنها شعب اعتدي عليه ضد مستوطنين غزاة, بينما لا  يمكنه أن يفهم حرباً يشنها مئة مليون عربي (متوحشين) ضد دولة صغيرة (متحضرة).

لذلك فإن القول بهذه المسلمة يقودنا إلى القول بأن الأجزاء المهددة وغير المحتلة – بكل إمكانياتها العسكرية والبشرية والمادية – يجب أن تكون ميدان الإستعداد والتجهيز لسحق الخطر الرابض في جزء صغير نسبياً من المنطقة المحددة بنفس الخطر.

2 – أما مساحة فلسطين المحتلة – كميدان لحرب العصابات – صغيرة – بحيث تستطيع العصابات المتمركزة في  الضفة الغربية أو في غزة – بعد الإحتلال أيضاً – أو في المناطق العربية المحيطة بإسرائيل – والتي هي كما قلنا ميدان التجهيز والإستعداد – أن تصل إلى أبعد موقع عسكري أو صناعي وتدمره وتعود في فترة زمنية يحتمل مشاقها الإنسان العادي المتدرب وقبل أن ينال منه التعب والإرهاق, فالمسافة بين طولكرم مثلاً, في الضفة الغربية وبين تل أبيب التي تعتبر المعقل الحيوي لمعنويات الغزاة المستوطنبن في فلسطين لا تتجاوز اثني عشر ميلا. وما من شك في أن صغر المساحة هذه تمكن الثوار من الإفلات مما يفوت على العدو فرصة الملاحقة الطويلة المنهكة أو النجاح المستمر في ضرب الحصار.

3 – أن تفوقنا في العدد البشري على العدو سيكون من عوامل النصر الحساسة وتفوقنا العددي هذا سيظهر في مراحل تقدم الثورة مستقبلاً يوم تخوض جماهيرنا العربية حربها التحريرية وراء الطلائع الفلسطينية وعلى هذا, إذا أحسنا استغلال مقدرتنا البشرية نستطيع أن نجعل النصر إلى جانبنا كحتمية تاريخية حتى لو قدمنا قتيلين أو ثلاثة أو أكثر مقابل قتيل إسرائيلي.

4 – أن الحفاظ على العنصر البشري لدى العدو يجعل لحربنا معه ميزة جديرة بالإهتمام وهي أن العدو وقد ارتكب كثيراً من المجازر بحق مدنيينا, إلا أننا لا نستطيع أن نعتبر أن العدو قد اتخذ ضرب المدنيين سياسة له في المرحلة الراهنة وهذا لا يعني أنه لا يلجأ أو أننا لن نلجأ إليها, ولكن الخوف من ردة الفعل لضرب المدنيين ستؤجل اتباع هذه السياسة إلى حد ما, مما سيخفض قليلاً من عدد الضحايا من الأبرياء ليصل إلى مئات الألوف لو لم يتبع الإرهاب الفرنسي سياسة ضرب المدنيين كوسيلة له للضغط على الثوار, وسبب اتباعه هذه الخطة أنه لم يكن في الجزائر عدد كبير من المستوطنين يخشى عليهم ردة فعل الثوار. ونفس الكلام يمكن أن يفال بالنسبة لفيتنام ولكل البلاد التي يجابه فيها الثوار جيشاً استعمارياً دون أن يصاحبه مستوطنون. إذا وعينا ما تقدم من خصائص بالإضافة إلى معنى طبيعة إسرائيل كدولة تجربة من أهم مستلزمات نجاحها الإستقرار, استطعنا أن ندرك أن خصائص حربنا الشعبية أحسن بكثير من خصائص التجارب الثورية الناجحة في العالم.

واليوم ورجال (فتح) قد وضعوا – ببطولاتهم واستشهادهم – قضية فلسطين في أيدي أبناء فلسطين كطليعة للأمة العربية نحو النصر مطالبون قبل غيرهم بفهم هذه الخصائص لوضع الجماهير الفلسطينية خاصة والعربية عامة في مواجهة التحدي الصهيوني اللئيم.

وإذا كان الجميع يعلمون أن مراحل الثورة هي حرب الفدائيين ثم حرب العصابات ثم حرب التحرير الشعبية فإن على الجميع أن يعلم تطوير أساليب هذه الحرب, وتطويرها نحو أعلى مراحلها, لا يتم إلا بالصبر على طول المدة والمثابرة إلى أن تتحقق الأهداف السامية التي آمنا بها ونسعى إليها.

وبديهي أن نقول أنه لن يتم لنا تحقيق الأهداف ما لم نؤمن بعملية الثورة وانها تحتاج إلى أكبر قدر من العقل, وأقل قدر من الإنفعال.