الجلسة التاسعة

الجلسة التاسعة

لماذا أنا فتح – البرنامج الرابع

لماذا هي حرب طويلة الأمد

  

حرب الشعب الطويلة الأمد

 

لماذا هي حرب طويلة الأمد ؟

 إن من يخطط ليخوض حرب الشعب عليه أن يدرك هذه الحقيقة وهي أن حرب التحرير الشعبية لا يمكن إلا وأن تكون طويلة المدى على المستوى الإستراتيجي ومعاركها وحملاتها سريعة القرار خاطفة على المستوى التكتيكي.

إن هذه الصفة اللازمة لحرب الشعب على طول الأمد ليس مبعثها حب الحرب وإنما هي ضرورة استراتيجية مرة ولها مبررات وأسباب جذرية تفرضها حقيقة المسيرة لمعالجة كل الأمور الإستراتيجية والتكتيكية في حرب الشعب وهي إضعاف العدو وقواه.

طول أمد الحرب أو قصرها أمر يقرره مبدأ مطابقة الهدف مع الإمكانيات في كل موقف والزمن اللازم للدخول في مباراة القوى بحيث يختل توازن القوى نهائياً لصالحنا وحرب الشعب تدور عادة بين عدو شرس متفوق تكنولوجيا ويملك جيشاً حسن التدريب والتسليح وشعب مقهور يعاني من اختلال في توازنه الإجتماعي كما أن جميع مصادر القوى تفرض على طلائع الشعب الثورية أن تواجه في بداية الحرب عدواً أقوى منها بكثير وعندما نطبق مبدأ مطابقة الهدف مع الإمكانيات –  إنه كما يقول (ليدل هارت) من الحماقة أن ترغب في أشياء لا تستطيع صنعها. نرى في البداية حرية العمل والمرونة من نصيبه وبالتالي لا بد من اتخاذ تكتيك وتحديد أهداف مطابقة لامكانياتها  وهذا يقو إلى تجنب خوض معارك حاسمة تدوم عدة ايام أو أكثر إذ أن طول مدة المعركة يعطي للعدو فرصة تجميع قوات متفوقة علينا إذ أنه هو القوي ونحن الضعفاء, وبالتالي فإننا سنهزم لا محالة ولما كان سحق العدو وتحقيق الإنتصار النهائي لا يتم إلا عن طريق المعارك الحاسمة فإن تجنبها يعني إطالة أمد الحرب والتصرف على أساس دحر العدو وليس عملية خاطفة وإنما طريق شاق ومرير وصراع طويل الأمد لأن هذا هو الطريق لمضاعفة قوتنا.

إن بديهية ما عن حرب العصابات والقائلة بأن خوض الحرب بالتحديد هو المحافظة على الذات وإبادة العدو وتعني في الواقع إبادة العدو عن طريق المحافظة على النفس والنمو معاً, النمو أسرع من العدو وعن طريق تدعيم قواتنا وإنقاص قوات العدو وإبادتها, الأمر الذي سيقود بالنهاية إلى تحويل ميزان القوى لصالحنا وبالتالي القدرة على خوض المعارك الحاسمة. إلا أنه من الواضح دائماً أن عملية النمو والإبادة هذه تحتاج إلى فترة طويلة طويلة جداً.

النظرة الإستراتيجية لحرب الشعب تقوم على عدة أعمدة رئيسية أحدها ينطلق من أن نقاط قوة العدو ليست نقاط أساسية وسيفقدها حتماً عبر صراع طويل الأمد طابعه الإستنزاف والإنهاك والإبادة, كما أن نقاط ضعفنا مؤقتة ستنمو مع الزمن إلى القوة بالإضافة إلى أن نقاط قوتنا أساسية ستزداد قوة مع الزمن وستلعب دوراً أساسياً في المعركة.

وحتى تزداد الصورة والمبررات لحرب الشعب وطول أمدها وضوحاً لنلق نظرة على الأمور الملموسة التي ستتطور سلبياً وايجابياً عند الجانبين المتحاربين.

 

ما هي في الواقع نقاط قوة العدو؟

العدو يستطيع أن يعبئ خلال 48 ساعة حوال 250 ألف مقاتل جيد التسليح والتدريب ومركزين على مساحة صغيرة وفي موضع وسطي من الأمة العربية بحيث تكون قادرة على ضرب أية جبهة عربية تختارها من وضعها الوسطي.

وفي مجال آخر تقول الخطة (يجب اختصار فترة العمليات الحربية إلى الحد الأدنى للحيلولة دون خراب طاقاتنا الإقتصادية الحالية أثناء الحرب).

إن الدولة الرأسمالية الإستعمارية عندما تشن حرباً فإنها مهما أعطت لحربها من صفات وحددت لها من أهداف فإن المصالح الإقتصادية للطبقة الحاكمة هي التي تحدد مدى وهدف الحرب. أما إسرائيل فهي مجبرة بحكم تركيبها النفسي والفكري والجغرافي والإقتصادي للتوسع ولذلك فهي مضطرة للجوء للحرب الخاطفة لسببين أولهما كون الحرب الخاطفة تمكنها من استغلال جميع ميزاتها العلمية والتكنولوجية لتحقيق نتائج سريعة وبالتالي ضعف تكاليف الحرب.

وثانيهما: السيطرة بسرعة على موارد جديدة تحل لها مشاكلها الإقتصادية من جهة ولتعويض ما خسرته في الحرب من جهة أخرى (بترول ومعادن سيناء وموارد الضفة الغربية الزراعية).

إن طول أمد الحرب هو الوسيلة الناجحة لعرقلة الأهداف الإسرائيلية ولتفهم الأوضاع الإقتصادية داخل إسرائيل, فالتعبئة العامة للجيش الإسرائيلي تكلف يومياً خمسة ملايين دولار وذلك بسبب ارتفاع الأجور ووجود خبرات فنية عالية في الجيش الإسرائيلي تكلف يومياًَ خمسة ملايين دولار من هنا نرى أن الحرب الإقتصادية لهذا النوع من الحروب تفرض عبئاً اقتصادياً ثقيلاً على كاهل الخزينة الإسرائيلية وكم نكون بارعين لو أننا نستطيع أن نبقي إسرائيل مستنفرة الطاقة القصوى لقواتها لمدة أربع وعشرين ساعة في اليوم ولمدة سنين.

لقد اضطرت إسرائيل بعد الخامس من حزيران ولفشلها في تحقيق أهداف الحرب السياسية وهو توقيع الصلح, اضطرت إلى رفع ميزانية الدفاع العام 1967/1968 بما يوازي (30%) عن السنة التي سبقتها بل وأكثر من ذلك فإن السبب راجع لمقاومة اعمال رجال العاصفة. ومن الذي يتحمل هذه الضرائب والأموال ..؟

الجيش لا مصلحة له في الحرب وفي صنع أمجاد عسكرية لديان وبارليف, ويخطئ من يعتقد أن إسرائيل يمكن أن تعبأ طول عمرها عن طريق المساعدات الخارجية والتبرعات عندما تبقى في حالة حرب واستنفار دائم يحرق بها الأخضر واليابس خاصة وأننا شعب عنده قدرة عجيبة على تحمل الألم والمعاناة ويعرف كيف ينحت الكبرياء من نكباته والإبداع من الأمة لأنه هو الصاحب للعدالة والحق في هذه القضية.

من الأسباب التي تجعل إسرائيل الدولة الرأسمالية تلجأ إلى الحرب الخاطفة هو أن هذه الحرب تعتمد على التكنولوجيا بحيث تكون التضحية بالعنصر البشري قليلة جداً وقدر المستطاع وذلك أمر هام بالنسبة لإسرائيل التي تحاول إقناع يهود العالم أن المكان الأمين للهروب من مذابح اللاساميين هو أرض الميعاد (إسرائيل) فكيف إذا تحولت أرض الميعاد إلى أكبر مذبحة؟ أضف إلى ذلك أن اليهود الذين خدعوا وهوجموا سوف تتحطم معنوياتهم ويلجأون إلى الهجرة والإستسلام عندما يفرض عليهم خوض حرب طويلة الأمد تنطوي على الام بشرية ودمار واسع الأمر الذي سيقوي التيار المعادي للصهيونية داخل اليهود في الأرض المحتلة وخارجها وسيبعث روح التمرد على الحكومة الصهيونية وأمر الحرب, خاصة إذا طرحت (فتح) برنامجاً لحل مشكلة فلسطين يتضمن سلامة اليهود الموجودين في المنطقة وفتح المجال ليهود البلاد العربية أن يرجعوا إليها وفق برنامج مدروس يؤمن لهم العمل والقدرة على البدء من جديد ويوفر لهم السكن وحرية العيش.

سنة من العمل المثمر لرجال العاصفة جعلت المعلق اليهودي المعروف (زئيف شيف) في جريدة (هارتس) يكتب مقالات تحت عنوان (انسحاق نفسي) جاء فيه:

منذ انتهاء حرب الأيام الستة لا يمضي يوم تقريباً دون أن تضطر إسرائيل إلى التضحية برجالها قتلى وجرحى على طول الحدود أو ضد المخربين, منذ الحرب سقط أكثرمما سقط من الضحايا الذين قدمتهم إسرائيل في عملية سيناء عام 1956.

إن كأس الدم هذه التي تمتلئ كل يوم تؤثر على وضع الشعب النفسي والأخبار اليومية تقريباً التي تطالعنا عن قتيل جديد من صفوفنا أو عن جريح مات بتأثير جراحه هي التي تنشر الشعور بأن هذه الحرب لن يكون لها نهاية أبداً, إننا نسحق تحتها ولكن هذا الإنسحاق أكثر من كونه جسمانياً هو انسحاق أشد خطورة.

إن هذا المقتطف من المقال لهو دلالة تبشر بخير كبير ولولا أنه يلاقي ارتياحاً في النفس والمشاعر اليهودية لأدى إلى مضاعفات كثيرة. وإن كلاماً كهذا لو كتبه عربي فإن الجماهير سوف تجره في الشوارع لأن مثل هذه النغمة لا تتوافق والنفسية العربية الجريحة التي يهزها الشهيد ويجعلها تفيض من أعماقها لتزيد كثيراً من تضحياتها.

هناك من يعتقد أن علينا أن نجمد الحدود ونرضى بسلام مؤقت بحجة أن إسرائيل متفوقة علينا جواً, الأمر الذي سيؤدي إلى فقدان شرق الأردن والأراضي الأخرى ما لم نجد الأوضاع ونستعد, إن هذا المنطق خطير جداً وخاطئ في نفس الوقت  إذ أن الحرب هي مباراة في الوقت نفسه بين الطرفين المتحاربين وإنه لمن المستحيل أن يتغير ميزان القوى لصالحنا عن الطريق الهادف لتجميد الموقف والتوقف عن الحرب, إذ أنه في هذه الحالة فإن إسرائيل سيمدها الإستعمار الأمريكي بشكل يضمن تفوقها بالإضافة إلى أن إسرائيل يستحيل أن تقبل بسلام لا يؤمن وجود القوات المدرعة المصرية والصواريخ في غرب القناة وفي الأردن, الأمر الذي لن تكون في وضع يمكننا من شن حرب خاطفة ضد إسرائيل بينما هي تستطيع ذلك, أما بالنسبة لضياع أرضنا فإنه لا يجوز هنا أن ننسى بأن الهدف الرئيسي لنا هو إبادة قوات العدو وأن يكون التنازل عن الأرض هو السبيل الوحيد من أجل الإحتفاظ بها فإذا كان ما نفقده هو الأرض وما نكسبه هو النصر على العدو بالإضافة إلى الأرض فتلك إذن تجارة رابحة.

إلا أنه بالرغم مما تقدم فإنه لمن الخطأ الفاحش الإعتقاد بأن الدفاع عن شرق الأردن أمر غير ممكن صحيح أننا لا نستطيع ضرب العدو على أرضه وفي قواعده لمنعه من الهجوم علينا وبالتالي جعل الشعب لا يتحسس مرارة الحرب ولكننا نستطيع الدفاع عن شرق الأردن بقوة عربية وإذا عبئت الجماهير ونظمت وأنشئت شبكة دفاع جوي مدفعي تغطي سماء الأردن وانتشرت وحدات جبلية مدربة على حرية الحركة والمباغتة فإنه في هذه الحال يمكن أن نلجأ إلى ضرب العدو ضربات موجعة هدفها جره للقيام بعمليات هجوم وانتقام ضدنا في شرق الأردن حيث نكون على استعداد لمواجهته في ظروف نعدها ونضعها نحن ونجعله يعيش مرارة الهزيمة التي عاشها في معركة الكرامة مرات ومرات.

نشرت مجلة الطيران الأمريكية بأن تكاليف معركة الكرامة التي استمرت يوماً واحداً قد بلغت عشرون مليون دولار بغض النظر عن الخسائر البشرية, إن هذه المعركة التي تمت في ظروف صعبة جداً من حيث التسليح وعدم الثقة بين قوات العاصفة والقوى الأخرى والتي خاضتها قواتنا في جو هزيمة حزيران قد جعلت العدو يتحول من استراتيجية التطويق والإفناء لقواعدنا الآمنة إلى استراتيجية التعقب الساخن وحرب العصابات المضادة والتفكير من جديد في إنشاء خط مكهرب عازل عن الضفة الغربية أي أن العدو قد تحول من الهجوم إلى الدفاع ومن التحرك إلى التمسمر(وهو تحول استراتيجي ايجابي كبير, لصالحنا وسلبي جداً من ناحية العدو, كل هذا من جراء معركة حاسمة واحدة فكيف إذا ما أجبرنا إسرائيل على خوض مثل هذه الغارات والمعارك كل شهر مرة وعلى أكثر من جبهة عربية ولمدة طويلة .. )

إن العدو سيدرك يومئذ حتماً أنه يسير في طريق مسدود وينقلب ميزان القوى استراتيجياً لصالحنا وسنصبح قادرين على خوض معارك حاسمة والنتيجة هزيمة الأعادء الصهيونيين.

هناك اعتقاد شائع عند بعض المخططين للسياسة الإستراتيجية العربية يتحكم في تصرفاتهم وتفكيرهم هو أن السلاح يقرر كل شيء ويبنون على هذه القاعدة قاعدة أخرى هي أنه لا يمكننا قهر العدو إلا بإزالة تفوقه التكنولوجي والعلمي ولكن السؤال الهام الذي لا يجوز أن يبقى دون جواب هو لماذا لم يكن التفوق التكنولوجي العامل الأساسي في تقرير مصير حرب التحرير الجزائرية والفيتنامية؟.

عندما أوجد البريطانيون أول باخرة عليها مدافع قال العسكريون وسياسيو العصر بأن السلاح البحري هو الذي سيقرر مصير الحرب, وعندما ظهرت الدبابة قالوا بأن سلاح الدبابات هو الذي سيقرر مصير الحرب, وبعد ذلك ظهرت الطائرة فقالوا بأن الطائرة هي التي ستقرر مصير الحرب, ولكن الأيام أثبتت أن الحرب لا تكسب في الجو وفي البحر وإنما تكسب على الأرض وأن التكنولوجيا لا تستطيع هزيمة الإنسان.

إن سلاح التكنولوجيا عامل مهم ولكن الإنسان هو العامل الحاسم فالإنسان هو مبدع السلاح ومنتجه وصانعه ومستخدمه وبدونه يكون السلاح شيئاً ميتاً. إن السلاح يكون عاملاً حاسماً عندما يقرر حامل الرشاش مواجهة الدبابة وجهاً لوجه لمهاجمتة ولكنها ليست حاسمة عندما يتوفر الإنسان الذي يتمتع بصفات فكرية معينة ووعي يختار الأسلوب المناسب وجهاً لوجه لمهاجمة الدبابة (يوم الخامس من حزيران كنا نملك أسلحة تكنولوجية أكثر من العدو ولكننا بالرغم من ذلك خسرنا المعركة لأننا خسرناها على مستوى الإنسان والقيادة).

إن السؤال الذي يجب أن يكون نقطة الإنطلاق هو ما هي الوسيلة التي يمكن بها هزيمة عدونا الذي يملك وسائل التسليح ويدعمه الإستعمار العالمي ؟.

الجواب: الذي يمليه المنطق والذي برهنت التجربة صحته هو أن حرب الشعب الطويلة الأمد والتي تستخدم تكتيك حرب العصابات هي الوسيلة الوحيدة والمضمونة لهزيمة الإستعمار والمستعمرين وجميع أصحاب الحروب العدوانية المحتمين بالتكنولوجيا.

ملخص القول: إن علينا أن ندرس ونقيم ونقر بقوة عدونا, إلا أن التحليل المتجرد الموضوعي يرينا بأن تفوق قوة عدونا تنبع من عجزنا وضعفنا عن تفجير وتجميع طاقاتنا بشكل مناسب, قوة عدونا تنهار عبر صراع طويل الأمد فقط ونقاط ضعفنا تتحول إلى نقاط قوة من خلال جهد كبير نبذله في صراعنا الصهيوني المسلح الطويل الأمد, قوة عدونا الصهيوني تقوم على وجود مصطنع وبالتالي فإن قوته لا تعتمد على مقومات أساسية تضمن له الإستمرار, أما نحن فإننا نملك الإمكانات والقوى القائمة على مقومات أساسية لا تقهر تتدرج من المساحات الشاسعة والموارد الأولية والموقع الإستراتيجي وتتوج بالقوة التي لا تقهر (القوة البشرية).

إن الإنتصار لن نصل إليه إلا إذا حشدنا قوى الإنسان والمجتمع وجندناها من أجل التحرير وهذا أمر لن نصل إليه إلا عن طريق حرب الشعب الطويلة الأمد.

كيف نخوض حرب الشعب, وما هي مراحل خوضها ومتطلباتها. هذا ما سيكون موضوع الدراسات القادمة.