الجلسة الثامنة

لماذا أنا فتح – البرنامج الثالث

حرب التحرير الشعبية

 

حرب الشعب الطويلة الأمد طريق تحرير فلسطين

لقد قامت في المنطقة العربية في الفترة الماضية أحزاب وحركات عربية عديدة .. حاولت تحقيق أهداف الأمة العربية بالطرق السياسية ولكنها فشلت جميعها, والسبب هو أن الأوضاع في المنطقة العربية في مواجهتها للإستعمار والصهيونية قد وصلت إلى مرحلة معينة لا يمكن تخطيها بالوسائل العادية إنه لمن الخطأ الكبير أن نترك أشواقنا تلهث وراء أساليب سياسية عربية بدأت ببناء الأسوار قبل تسوية الأرض, الهزيمة العسكرية تعلن دائماً انتهاء شيء وبداية شيء آخر.

الشيء الذي أعلن يوم الخامس من حزيران هو بمثابة فشل ونهاية أشكال التفكير الإستراتيجي التي سيطرت سيطرة تامة طيلة عشرين عاماً على الأمة العربية والشيء الذي بدأ يتبلور .. هو أن الإستعمار لا يصرعه إلا شعب مسلح وواع ومنظم في نفس الوقت.

إن للنضال دائماً هدف وإرادة, غاية النضال الأولى هو بعث طاقات العطاء والكفاح عند الشعب المستعمر, وأداته هي الشعب المسلح الواعي والمنظم ولكن كيف نصل إلى ذلك ..؟

الماء لا يعطي كهرباء إلا إذا كان خلف السد, وكذلك الجماهير لا بد من تنظيمها ووضعها في وضع تكون فيه قادرة على العطاء وهذا لا ياتي إلا بممارسة حرب الجماهير .. الثورية.

هذه الحقيقة أدركتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) منذ نشأتها عام (1956). ولاحظت أن المستقبل ليس في يد الحزب أو الحركة التي تملك البرنامج الأكثر تقدمية, وإنما في يد الحركة الوطنية التي ستعرف قبل كل شيء كيف تجلب الجماهير إلى ممارسة الكفاح المسلح وإقناعها بأن مشاكلنا لا يمكن أن تحل وأن تسوى بدون القوة المسلحة, وأنه حتى نتخلص من المدفع ونتجه إلى البناء يتوجب علينا أولاً أن .. نستخدم المدفع.

من هنا كان الشعار الأساسي الإستراتيجي المحرك والمسيطر على تحديد مواقف (فتح) هو أن حرب الشعب طويلة الأمد .. هي طريق تحرير فلسطين وصراع الإستعمار, إن مجرد التدقيق البسيط في هذا الشعار يرينا طبيعة الحرب التي تخوضها حركتنا والتي تدعو إليها الجميع هي حرب تتصف أولاً بأنها حرب شعب, وثانياً بأنها حرب طويلة الأمد والسؤال الهام الآن لماذا هي حرب شعبية وليست نظامية كلاسيكية وما الذي يجعلها حرباً طويلة الأمد وليست حرباً خاطفة؟

 

لماذا هي حرب شعبية … ؟

إن تبني استراتيجية معينة ووضع مخطط استراتيجي سليم يجب أن ينطلق من تحليل واقع العدو وواقعنا, ودراسة نقاط القوة للعدو ونقاط قوتنا ونقاط ضعفنا, أي تطبيق حكمة الفيلسوف الصيني (صن تسو) القائلة (اعرف عدوك واعرف نفسك فيمكنك عندئذ أن تخوض مائة معركة دونما كارثة).

انطلاقاً منتحليل ودراسة جميع الأمور الموضوعية عند الطرفين المتحاربين واكتشاف القوانين المتحكمة في أفعال العدو يجد المحلل نفسه أمام حالتين, فإما أن تكون قوته العسكرية الضاربة أقوى من كل القوى العسكرية في لاطرف الآخر وحينئذ علينا أن نطبق مبدأ (عمل القوي ضد القوي) .. وإما أن تكون العكس وحينئذ علينا أن نطبق مبدأ (تجميع القوى عندنا ضد العدو) وهذا هو واقعنا..

إذن علينا أن نحدد نقاط قوتنا ونقاط ضعف العدو ولنعرف كيف نستعمل قوتنا لضرب العدو في نقاط ضعفه.

نقاط قوتنا:

1. الأرض العربية المحيطة بإسرائيل يبلغ عدد سكانها حوالي أربعين مليون نسمة ومساحتها شاسعة الأرجاء.

2. إن غالبية الشعب العربي يعيش في ظروف معيشية قاسية الأمر الذي سيجعلها تصبر على الحرب دون الشعور بفارق كبير في الناحية المعيشية في ظل الحرب عنه في ظل السلم.

  1. اقتصادنا زراعي أي أنه يوفر في حالة الحرب القدرة على إسكات الجوع وتزويد الثوار بالأكل اللازم.

نقاط ضعفنا:

الصناعة والتكنولوجيا والحصول على الخبرة العلمية عندنا أمر شاق مرهق مرتبط بعامل الزمن.

نقاط ضعف العدو:

عدد سكانه قليل جداً وكذلك مساحة اراضيه ويعتبر المحافظة على العنصر البشري وعلى الأرض شيئاً لا غنى عنه لاستمرار حياته وبقائه, والتاريخ يعلمنا أن الدولة ذات الحجم الصغير والقليلة السكان عندها دائماً قابلية شديدة للإنكسار.

إن دولة إسرائيل مازالت في مرحلة التجربة, وهي بأمس الحاجة لإقناع اليهود بالهجرة إليها, ولذلك فإن عدم استقرارها الدائم يعني فقدان التجربة على القدرة على الإستمرار, أضف إلى ذلك أن غالبية السكان في إسرائيل لم يولدوا بفلسطين ولذلك فإن مشاعرهم مازالت ترتبط بالبلاد التي ولدوا وترعرعوا فيها, الأمر الذي يسهل أمر مغادرتهم البلاد إذا عاشوا فترة طويلة نسبياً من القلق والإضطراب.

نقاط قوة العدو:

1- التفوق التكنولوجي: إذ أن الصهيونية تتمتع بميزات عديدة على أهمية مستواها الفني والعلمي نتيجة الصلات الوثيقة مع التيارات العلمية المختلفة في أوروبا.

2- تملك جيشاً حسن التدريب والتسليح ومعنوياته عالية ويشعر أن خسارته معركة يعني انتهاؤه ومقارنة بسيطة ترينا أن قوتنا تكمن , أولاً بطاقة بشرية لا تنضب وبعمق استراتيجي واسع جداً, ونقاط ضعف العدو تكمن على النقيض من ذلك بقلة العنصر البشري وبصغر مساحته.

هذه المقارنة يصبح لها صحة مطلقة وضعفنا الحقيقي بالتكنولوجيا يظهر جلياً إذا تذكرنا أن الصفة الرئيسية لحقيقة المعركة هي أننا بحاجة إلى التكنولوجيا لتحرير فلسطين بينما الإستعمار العالمي يحشد الأسطول السادس بحاملات  طائراته وناقلات جنوده وهو لا شك على أهبة الإستعداد لحماية إسرائيل. إذا سلمنا بهذه الحقيقة المبدأية وهي أن القضية الفلسطينية قضية مجابهة الإستعمار فإن علاجها يجب أن يكون شبيهاً بتلك الطرق التي اتبعتها الشعوب لنيل استقلالها وحريتها وإذا حللنا جميع الطرائق الكفاحية سواء في أفريقيا أو آسيا سواء في فيتنام أو في الجزائر وجدنا أن النصر في كل هذه الحروب لم يكن نتيجة حرب بين جيشين تفوق فيها الشعب المستعمر على الدولة المستعمرة له, بل كان النصر دائماً وأبداً نتيجة حرب بين جيش المستعمر والشعب المستعمر.

إذا استعرضنا تاريخ جميع الشعوب التي تحررت من الإستعمار فإننا سنلاحظ أن دولة مثل الصين بالرغم من أن إجمالي عدد سكانها (400 مليون) ومساحتها شاسعة وعدد جيشها عام 1929 كان يزيد على المليون مقاتل إلا أن دولة مثل اليابان لا يتعدى عدد سكانها في ذلك الوقت على المئة مليون ولكنها متقدمة تكنولوجياً استطاعت أن تستعبد الصين أربعة عشر عاماً, لماذا .. ؟ يجيب (ماوتسي تونغ) على هذا السؤال فيقول: إن السبب الرئيس في تجرؤ الأعداء على التطاول علينا هو أن جماهير الشعب تعيش في حالة عدم تنظيم وحين نتغلب على هذا النقض سنحمل الغزاة الأعداء على مواجهة الملايين من شعبنا الذي يكون قد نهض من رقدته وحينئذ يصبح أولئك الغزاة الأعداء كثور هائج وقد طوقته النار من كل جهة فيكفي أن تصرخ صرخة واحدة حتى تلقي الرعب في قلوبهم ولا مناص من الموت حرقاً ويقول (ماو) في مجال آخر إذا نظمنا الشعب الصيني وخضنا حرباً ثورية على أساس أنها حرب جماهيرية فإنه لن يكفينا حينئذ استعمار واحد لنقضي عليه. إن حربنا مع الإستعمار والصهيونية هي حرب جماهيرية ثورية أي حرب شعبية للأسباب الرئيسية التالية:

1. أن نقطة قوتنا هي الطاقات البشرية ولذا فإن أي عمل عسكري يجب أن يخطط له وترسم استراتيجيته على أساس أن حربنا حرب التفوق البشري ذلك التفوق لا يمكن استغلاله إلا بحرب الشعب.

2. الحرب الكلاسيكية وخاصة الحرب الخاطفة هي حرب يكون العامل الحاسم فيها هو التفوق العسكري والعلمي والتكنولوجي, ذلك المتفوق الذي لن نملكه بسبب كون حربنا موجهة ضد الإستعمار الأمريكي وأمريكا هي سيدة التكنولوجيا في العصر الحديث, وبالتالي فإن الحرب الكلاسيكية المعتمدة على الدبابة والطائرة والتكنولوجيا ليست الشكل لظروفنا والإعتماد على هذا الشكل الوحيد مغامرة عسكرية.

3. الإعتماد على قوتنا العسكرية (متمثلة بقواتنا الموضوعة تحت السلاح) بخوض معركة التحرير أو حتى من أجل منع العدو من التوسع أمر خطير جداً فيه مصرعنا.

هذا المنطق يفرض علينا التخلي عن عنصر التفوق البشري الذي نتمتع به ويعطي فرصة للعدو لتجميع قوى توازن قواتنا االموضوعة تحت السلاح من حيث العنصر البشري مع تفوق تكنولوجي وعملي راق أثبتت أحداث الخامس من حزيران أن قدرة إسرائيل على حشد قوات بشرية تعدادها (250 ألف مقاتل) وازنت القوات التي جمعتها الدول العربية مجتمعة, وبذلك استطاعت مع استخدامها لعنصر التفوق التكنولوجي من حيث المخابرات ووسائل تشويش الرادار أن تستفرد بالجيش العربي بمعزل عن الشعب فالجماهير العربية لم تملك بعد نكسة الخامس من حزيران إلا البكاء إذ أن الحرب الكلاسيكية جعلت من الشعب كما مهملاً دوره في المعركة لا شيء.

 

4. يقول ليدل هارت (علينا أن نبحث باستمرار عن النقاط الضعيفة لنتسرب منها ونستغل النجاح على خط المقاومة الأضعف للعدو

إذا حاولنا تطبيق هذا المبدأ الإستراتيجي الهام على مشكلة فلسطين فإن هذا يعني بالضرورة أن نعمل على إجبار العدو على التخلي عن دباباته وآلياته ليواجهنا وجهاً لوجه أي لإجباره على تقديم العنصر البشري إلى المذبح ذلك العنصر الذي لا يستطيع التضحية به.

هذا الأمر الذي لا يكون إلا باستخدام تكتيك حرب العصابات الذي يجبر العدو على اللحاق برجال العصابات المبعثرين والتفتيش عليهم في الجبال وبين الأشجار, أي هنالك حيث لا يستطيع استخدام دباباته وآلياته ومدفعيته الثقيلة وحيث تخوض العصابات معه معارك القتال القريب الذي تكون فيها قوات العصابات متفوقة بأنها تملك معنويات عالية جداً لأنها تخوض حرباً عادلة من جهة ولأنها تنتظر قدومه في الجبل حيث يكون عند قدومه في الجبل عنصر المفاجأة بايديها وليس بأيدي العدو.

ملخص القول أننا يجب علينا أن نضع العدو في المكان لذي نريده فيه وأن لا نضع أنفسنا في المكان الذي يريدنا فيه عدونا, وعلينا أن نستفيد من تجارب عبقري الحرب الشعبية (ماوتسي تونج) الذي عبر عن استراتيجيته الجديدة لمقاومة الإستعمار الأمريكي بنداء وجهه إلى الشعب الصيني قال فيه: (لقد بلغ تقدم أمريكا التكنولوجي حداً لم يعد معه ممكناً أن نواجه أمريكا طائرة بطائرة ودبابة بدباية. أيها الصينيون ليس العيب أن يأتي الأمريكيون إليكم ولكن العيب كل العيب أن يخرجوا من هنا أحياء) اننا إذا أدركنا بديهية الموقف العسكري بيننا وبين إسرائيل وهي أننا لا نستطيع الإنقضاض عليها بحرب خاطفة بسبب الأسطول السادس الأمريكي وسبب كون الإستعمار الأمريكي ليس غبياً ليترك لنا فرصة القضاء على إرادته الرادعة إسرائيل, اللازمة لضرب الثورية العربية, إذا أدركنا ذلك كله فإنه لا يبقى أمامنا إلا الإستعداد لحرب شعبية طويلة الأمد نستخدم فيها تكتيك حرب العصابات في البداية ونتدرج إلى حرب متحركة لكسب النصر نهائياً..