الجلسة الثانية

الجلسة الثانية

لمحة تاريخية

عن حركة فتح وظروف نشأتها

تحدثنا في الجلسة الماضية عن العضوية ومعناها ومستلزماتها وتحدثنا كذلك عن الجلسة الحركية ومفهومها ومستلزماتها وفي هذه الجلسة لا بد من إعطاء نبذة عن الحركة ونبذة تاريخية عنها والظروف التي أحاطت بها منذ تأسيسها إلى يوم انطلاق عاصفتها وحتى الآن.

يمكن تقسيم الفترة التي تلت نكبة فلسطين سنة 1948 إلى أربع مراحل:-

أولاً – المرحلة الأولى: وهي تلك التي بدأت في أعقاب النكسة مباشرة حيث كان هول النكبة أعقد من أن يستفيق شعبنا بعدها مباشرة فكان أن مرت بعد فترة لم يكن فيها ما يشير إلى العمل المنظم المدروس, إلى أن بدأت تتطور الأمور إلى حركة حزبية واسعة تفاعلت مع كل ما يجري في الساحة العربية, إلا أن هذه الحركة لم تستطع أن تدفع شعبنا رغم تفاعله معها وانخراطه فيها, أية خطوة في طريق التحرير حتى كان العدوان الثلاثي في خريف عام 1956م.

ثانياً – ومع العدوان الثلاثي وباحتلال قطاع غزة واجه شعبنا مرحلة جديدة حيث كان لاحتلال القطاع سنة 1956 وقع موجع في نفوس جماهيرنا الفلسطينية فكان أن بدأت تحت سياط الإرهاب تتطور في أذهانها صورة للمعركة مع إسرائيل .. جديدة في مضامينها .. وانقلابية في أفكارها .. صورة تعتمد على جماهير الشعب الفلسطيني في وحدة وطنية عريضة تمهد لثورة شعبية مسلحة تنظم الشعب وتقوده نحو التحرير فتشكلت بتأثير السرية عدة منظمات فلسطينية انتشرت بين كافة قطاعات الشعب الفلسطيني المشرد في كل بقاع الدنيا ورغم تعدد هذه المنظمات إلا أنها كانت تلتقي على أن هذه الثورة لا بد أن تمتاز بميزتين:

الأولى: أن تكون القيادة بيد الشعب الفلسطيني.

الثانية: الإبتعاد عما يتصارع في الساحة العربية من عوائق وتيارات وعقائد.

ورغم كل الصعوبات التي واكبت إنشاء هذه المنظمات فقد استطاعت أن تفرض نفسها على الكثير من حكومات العالم العربي, وبتأثير هذه المنظمات على الحكومات العربية تشكلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في مؤتمر القمة الأولى سنة 64, وفي بداية المرحلة الثانية هذه ومع تبلور الصورة الجديدة للمعركة مع العدو إثر احتلال غزة سنة 1956, ومع تجمع عدد من الشباب الفلسطيني المثقف بدأ العمل في توعية الجماهير الفلسطينية وتوحيدها سواء داخل أو خارج الوطن العربي.

وفي سنة 1958 اتضحت في أذهان هذا النفر من الشباب معالم الطريق أكثر فأكثر وأطلقوا على تجمعهم اسم حركة تحرير فلسطين وأخذوا الأحرف الأولى من الكلمات الثلاث (حتف) التي قلبت إلى (فتح).

وهكذا تشكلت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) من خلال التصور الجديد للمعركة وهو وحدة الشعب الفلسطيني مع الإبتعاد عما يطرح في الساحة العربية من عقائد وتيارات.

وقد لاقت هذه الفكرة تأييداً مشجعاً في أوساط الشعب, إلا أنها اصطدمت بما كان مطروحاً في الساحة العربية من شعارات, حيث أن منطلقات حركتنا (التي سنحددها في الجلسة التالية) كانت جديدة تتطلب استراتيجية وشعارات الفئات التي كانت في ساحة السياسة العربية والتي كانت ذات جذور عميقة في نفوس الشعب الفلسطيني, وخاصة ذلك الشعار الذي استمات من أجله ومن أجل تحقيقه وهو (الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين) وخاصة وحدة مصر وسوريا.

ولكن صمود حركتنا وراء منطلقاتها الثورية واثر وقوع جريمة الإنفصال سنة 1961 وبعد النكسات التي أصابت الحركة الثورية العربية, ثبت لجماهير جديدة من شعبنا صحة ما طرحته فتح من شعارات.

ومنذ سنة 1958 وحتى مطلع 1965 عملت طلائع (فتح) على التغلغل بين فئات جماهير شعبنا المشرد, تنظم وتعبئ وتدرب وتسلح وتهيء لصنع الثورة وتسير عكس التيار الذي كانت ترى هذه الطلائع خطأ مجراه.

ثالثا – بدأت المرحلة الثالثة في الفاتح من كانون الثاني 1965 حيث قام الجناح العسكري (المقاتل) من (فتح) الذي أطلق عليه اسم (العاصفة), بالعملية الأولى في أرضنا المحتلة حيث تم نسف منشآت تحويل نهر الأردن في نفق عيلبون وسهل البطوف وتعطلت إثر ذلك كافة أنابيب المياه المحولة لمياه نهر الأردن إلى النقب.

وكان الصوت الذي دوى في وطننا المحتل غريباً على الأسماع العربية, فأثارت تساؤلات عديدة عن (فتح) وهويتها و (العاصفة) ورجالها واتصالاتها وارتباطاتها وتمويلها, وقام البعض يشكك في أهدافها والبعض الآخر في انتماءاتها والبعض اكتفى بالإندهاش والمراقبة, وكان الرد مزيداً من الرصاص فازداد صوت المشككين ارتفاعاً, واتهموا (فتح) بالسعي لتوريط الدول العربية في معركة سريعة مع إسرائيل, واتهمها البعض الآخر بخطأ التوقيت, والبعض الآخر نعى عليها مغامراتها رغم قلة الإمكانيات وبعضهم وجد في السرية التي تعتمدها (فتح) وعدم نشر أهدافها ومبادئها وسيلة لنشر الشكوك حولها.

وكانت هذه المرحلة من أوجع المراحل, تعرضت فيها الحركة لأقسى الإمتحانات, حيث أقامت الدول العربية جداراً رهيباً من الصمت حول عمليات أبطالنا, وأخذوا يستقبلوهم بالرصاص والموت بدلاً من الإحتفاء والتكريم, وامتلأت السجون والمعتقلات بثوارنا حيث تعرضوا لأبشع أنواع الإرهاب والتعذيب في بعض البلدان العربية. وإن مئات من ثوارنا ظلوا في السجون والمعتقلات شهوراً طويلة إلى ما بعد هزيمة حزيران سنة 1967.

ورغم كل هذا فقد كان العمل يتصاعد مع تشديد في الأوامر بعدم توجيه رصاص الثوار إلى صدور الأخوان العرب, وكان هذا دليل على أصالة الثورة وعلى مرونة الحركة ومقدرتها على اجتياز الأخطار وتحاشي الألغام التي كانت ومازالت تزرع في طريق الثورة.

حتى كانت كارثة حزيران والهزيمة المروعة التي لم تكن للجيوش العربية بقدر ما كانت للإستراتيجية الرهيبة التي كانت تتبعها الحكومات العربية في مواجهة الخطر الصهيوني.

رابعاً – وهكذا بدأت المرحلة الرابعة بعد الهزيمة حيث أصيبت الأمة العربية بالذهول وأخذ العدو والإستعمار بالاستعداد لقطف ثمار نصرهم السريع. وتدافع الإسرائيليون إلى مدننا وقرانا يبيعون ويشترون ويتنزهون ويتباهون وخيل إليهم أن شعب فلسطين قد انتهى, ولكن (فتح) استفاقت بسرعة بعد الهزيمة وأرسلت أولى دورياتها للإستطلاع بعد ثلاثة أيام فقط من الإحتلال وأخذت تدرب حشود الشعب التي تدفقت على معسكراتها للتدرب على حمل السلاح, حيث دربت في معسكر الهامة وحده سبعة الآف رجل خلال أقل من ثلاثة أشهر. وانتقلت معظم قيادات العاصفة إلى المنطقة المحتلة, حيث تكونت قواعدنا الثورية في قرى وجبال بلادنا, وأخذت تتدارك نوعاً ما الفراغ الهائل الذي كان في الضفة الغربية, حيث كان الشعب بلا سلاح ولا تنظيم ولا تدريب فدربت هذه الفئة الطلائعية في منطة نابلس وحدها خلال نفس المدة ألف رجل ومئتي امرأة.

ورغم ظلام الهزيمة وقلة الإمكانيات, فقد استطاعت (فتح) أن تستأنف قتالها في مطلع الشهر التاسع من 1967 رغم التخويفات والتثبيطات بل الإتهامات التي عمل البعض على غرسها في أذهان رجال (فتح) للحيلولة دون استئناف الثورة وفات أولئك البعض, أنه لو استمعت إليهم (فتح) وانتظرت أكثر لتمكن العدو من خلال جو الهزيمة الذي فرض على العرب أن يفرض الصلح والإستسلام أيضاً.

بدأت (فتح) .. ودفعت ثمن هذه البداية زهرات شباب سقطوا شهداء وأسرى ولكنها فتحت مقابل ذلك – حتى لأولئك المخوفين الذين سارعوا إلى تكوين جبهات (منافسة) – طريقاً واضحاً للثورة ومعنويات قوية بدأ شعبنا يتحلى بها وأملاً جديداً مشرقاً بالنصر.

وهكذا صعوداً في سلم النصر واصلت فتح طريقها حاملة على عاتقها مهمة صعبة وغير عادية, قائدة ومصعدة الكفاح المسلح الفلسطيني إلى حرب تحرير شعبية طويلة الأمد طريقاً وحيداً للنصر.

وثورة حتى النصر؛؛؛؛