مابعد التصويت ضد مشروع القرار الفلسطيني في مجلس الأمن

لم يفاجئنا فشل التصويت على القرار العربي في مجلس الأمن ضد المشروع الفلسطيني المطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي خلال سقف زمني محدد، فالإدارة الأمريكية طالما وقفت إلى جانب الباطل الإسرائيلي والاعتداءات الإسرائيلية طوال لاسنوات وظلت تلجأ في كل مناسبة وفي كل اجتماع دولي يعرض فيه قرار على مجلس الأمن بإدانة سلوك إسرائيل وجرائمها لاستخدام الفيتو، انحيازاً لجانب إسرائيل وتعطيلاً للإرادة الدولية وللرأي العام الدولي الذي يطالب انسجاماً مع ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الانسان بحق تقرير المصير للشعوب، وبوضع قواعد لسلوك المحتل حتى يتم جلائه عن الأرض التي قام باحتلالها.
وحيث أصبحت فلسطين الدولة الوحيدة المحتلة أرضها في العالم، فقد أكدت المواقف الدولية في أغلبيتها المطلقة في كل المناسبات الدولية على ضرورة وقف العدوان الإسرائيلي على شعبنا، وإنهاء احتلال أرضنا ومنحنا حق إقامة الدولة والعودة وتقرير المصير، وهو ما تضمنته القرارات الدولية العديدة الصادرة عن المؤسسة الدولية، مجلس أمنها وجمعيتها العامة، بدءاً من القرار 181 والقرار 194 وليس انتهاءً بالقرار الصادر في 23/12 من العام 2012 الذي اعترف بفلسطين بفلسطين دولة مراقباً في الهيئة الدولية.
لقد أثبتت الولايات المتحدة للمرة الألف أنها غير معنية بالتوصل إلى سلام عادل بيننا وبين إسرائيل، وأن رعايتها لعملية السلام لم يكن القصد منها إنجاح تلك العملية للوصول إلى الهدف المنشود، بل كانت رعاية من أجل التحكم بمسارها عبر الضغط على أطراف الرباعية لإبقائها تدور في حلقة مفرغة خدمةً لأهداف إسرائيل في كسب الوقت وتضليل الرأي العام المناهض لسياساتها وسلوكها ضد أرضنا وضد أبناء شعبنا وضد مقدساتنا ومعالم وطننا التي تسعى في مخالفة للقانون الدولي من أجل تغييرها معتقدة أنها بذلك تستطيع تهويدها.
بهذا الموقف إنما تدفع الإدارة الأمريكية الأمور باتجاه صدام لسد الفراغ على الأرض، فحيث لا سلام هناك، ولا آمال ترتجى بعد أن رعت الولايات المتحدة المفاوضات أكثر من عشرين عاماً دون أن تلتزم إسرائيل بأي من النتائج والاتفاقات، ودون أن تلزمها باستكمال التوصل إلى ما كان بفترض الوصول إليه من حل للقضايا كلها ومن إنهاء للفترة الانتقالية خلال خمس سنوات.
حيث أصبح الأمر كذلك، بات أمامنا خيار اللجوء المباشر للهيئة الدولية، خيار لا بد منه، لعل الضمير العالمي يصحو، ولعل الإدارة الأمريكية تشعر بالخجل من وقوفها السافر دوماً إلى جانب الباطل وجانب العدوان.
الموقف الأمريكي الذي لم يكن مفاجئاً، لن يفت من عضدنا وإصرارنا على مواصلة الدرب باتجاه حقوقنا المشروعة، والهيئة الدولية التي تتحكم بمجلس أمنها الولايات المتحدة، وسوف تجتمع القيادة الفلسطينية هذه الليلة لتدارس الموقف والخطوات اللاحقة والمتمثلة في التوقيع على الاتفاقات الدولية والذهاب إلى المحكمة الدولية لمحاكمة جرائم إسرائيل والمطالب بالحماية الدولية لشعبنا، في ظل هذا الإصرار الإسرائيلي على تحدي المواثيق والأعراف الدولية والقرارات الدولية كافة المتعلقة بالصراع.
أما إسرائيل فستكتشف أنها واهمة في نهاية المطاف، وأن اعتقادها بأنها حققت نصراً في مجلس الأمن ليس سوى خداعاً للنفس، فالمواقف الدولية المعارضة لسياسة إسرائيل والمنددة بها تتعاظم، والبرلمانات الأوروبية تعلن اعترافها بدولة فلسطين وتوصي حكوماتها بإعلان هذا الإعتراف في أقرب وقت، والأوروبيون يفرضون مقاطعة على منتجات المستوطنين ويعلنون موقفهم ضد الاستيطان وأهدافه..
ولن يستكين شعبنا مهما بلغت أعداد المرات التي تستخدم فيها الولايات المتحدة الفيتو لصالح العدوان والمعتدين، فقد قدم شعبنا على طريق أهدافه تضحيات كبيرة، غالية وجسيمة، وما زال مستعداً لبذل الغالي والنفيس من أجل حريته وكرامته وعودته واستقلاله، وستجدد القيادة خطواتها بما يخدم أهداف شعبها وبما يليق بعطائه الذي لا ينضب وبكرامته وتضحياته.
إننا اليوم نغلق مرحلة المفاوضات التي تحكمت إسرائيل بكل قواعدها استناداً لميزان القوى، وتنقل الصراع إلى مرحلة جديدة، بتدوين القضية الفلسطينية ونقلها إلى المسرح الدولي وفق قواعد يضبطها القانون الدولي التي لا طاقة للولايات المتحدة العبث بها، واثقين أن أمامنا مشوار طويل لكنه سوف يسحب دولة الاحتلال وقيادتها وجنودها إلى المحاكم الدولية ليحاسبوا على جرائمهم التي ارتكبوها بحق الشعب الفلسطيني ويكون الاستيطان الإسرائيلي من خلال تطبيق مواثيق جنيف التي تمنع نقل سكان الدولة المحتلىة المعتدية إلى الأراضي التي تحتلها.