الرئيس ترامب والقدس: الاختيار بين الجحيم أو دخول التاريخ من بابه الواسع


مشاهدة
أخر تحديث : الخميس 9 فبراير 2017 - 12:21 مساءً
الرئيس ترامب والقدس: الاختيار بين الجحيم أو دخول التاريخ من بابه الواسع

الرئيس ترامب والقدس: الاختيار بين الجحيم أو دخول التاريخ من بابه الواسع
بقلم علي القزق

قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقل سفارة الولايات المتحدة الأميركية من تل أبيب إلى القدس الغربية يمكن، إن صعب عليه التراجع عنه، أن يقلب القرار من قرار كارثي يؤجج نار البغضاء والعداء والحروب وعدم الاستقرار المحلي والدولي، إلى قرار تاريخي يدخله في صفوف الزعماء التاريخيين، وأن يدفع باتجاه التوصل إلى حل القضية الفلسطينية وإحلال السلام، إن استعمل الحكمة وأجاد القرار.
لقد أثبت دونالد ترامب أنه ليس بالسياسي التقليدي، فقد جاء من خارج “الصندوق” ويتخذ قراراته من خارجه أيضاً. وليس معروفاً عنه اطلاعه الواسع على القضية الفلسطينية بشكل عام وحساسية موضوع القدس واللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص. ولكن اعتماده لغاية الآن على إرشادات متطرفين من الصهاينة اليهود ممن يخدمون مصالح إسرائيل أولاً وإحاطة نفسه، كما قالت صحيفة “الجيروسالم بوست”، بتعيين أحد عشر منهم في إدارته مقلق، وسوف يؤدي إلى كارثة حقيقية لن ينجو منها أحد إن استمر أسير تلك النصائح. إن إعطاء الوعود لخدمة مصالح انتخابية شيء، واتخاذ القرارات المصيرية التي تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة الأميركية والمواقف والقرارات والقوانين الدولية ومصالح عشرات الدول والشعوب هو شيء آخر. فالولايات المتحدة لا تعيش في هذا العالم بمفردها.
كانت الحكومات الأميركية السابقة على وعي تام بعواقب قرار نقل سفارتها إلى مدينة القدس وما سوف يترتب عليه من أضرار جسيمة ليس فقط على مصالح الولايات المتحدة الأميركية ومكانتها الدولية وعلاقاتها مع الدول والشعوب العربية والإسلامية، وإنما أيضاً لانتهاكه الخطير للقانون الدولي وعشرات القرارات الدولية، وزعزعة الأمن والاستقرار الدولي، وهو ما كان يثنيها عن اتخاذ هذا الإجراء المدمر الخطير.
يقول السيد ترامب إنه يريد أن يجعل من الولايات المتحدة الأميركية “دولة عظمى مرةً أخرى”، وأن جميع قراراته لن تكون سوى في خدمة المصالح الوطنية الأميركية أولاً، وأنه كان ضد الحرب في العراق لأنها كانت سوف تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط…، ولكن ألا يعلم السيد ترامب أن قرار نقل السفارة إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل يتعارض بشدة مع أهدافه المعلنة هذه. وبأن هذا القرار هو ضد المصالح الأميركية مع 57 دولة تمثل العالمين العربي والإسلامي، ومع أكثر من مليار و600 مليون مسلم يمثلون ربع سكان الكرة الأرضية وأكبر ثاني دين في العالم بعد المسيحية، وبأنه سوف يزعزع الاستقرار ليس فقط في الشرق الأوسط بل دولياً، ويسبب في هزات وعنف وردات فعل لا يمكن التنبؤ بعواقبها، وتنشئ أجيالاً على الكراهية والتطرف ضد المصالح الأميركية؟ هل ترغب أميركا في دق المسمار الأخير في نعش علاقاتها مع العالمين العربي والإسلامي؟ وكيف يخدم كل ذلك مصالحها؟
لقد عبر اتحاد برلمانات الدول الاعضاء في منظمة التعاون الاسلامي، في ختام دورته الـ12 في العاصمة المالية باماكو في 28/1/2017 عن مشاعر الأمة العربية والإسلامية في بيانه الختامي في رفض نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس، مؤكدين على أن قضية فلسطين والقدس هي القضية المحورية الرئيسية التي يجب دعمها والدفاع عنها حتى تتحقق الحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف المتمثلة في عودة اللاجئين الفلسطينيين والتحرر من الاحتلال وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، محذرين بأن القدس هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه باعتبارها عاصمة روحية للأمة الاسلامية.
القدس هي عاصمة الفلسطينيين التاريخية، بناها وسكنها الفلسطينيون الكنعانيون حوالي 2500 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من 600 عام قبل ان تطأ قدم اليهود أرض فلسطين عندما جاء العبرانيون بقيادة أبينا إبراهيم عليه السلام من العراق، وكانت عبر التاريخ عاصمتهم الروحية والثقافية والتجارية، وفيها مقدساتهم الإسلامية والمسيحية.
الولايات المتحدة الأميركية سوف تتحمل مسؤولية ما سوف تؤول إليه الأوضاع جراء قرار نقل سفارتها إلى مدينة القدس الذي يشجع الحكومة الإسرائيلية والمتطرفين اليهود ويعطيهم الضوء الأخضر لتصعيد عدوانهم ضد المسجد الأقصى وبناء المزيد من المستعمرات وتهويد القدس.
فقد كتب وزير الداخلية الإسرائيلي السابق عوزي برعام مقالا في صحيفة “هآرتس” في 25/1/2017، قال فيه إن اليمين الديني المشارك في الحكومة وحاخامات إسرائيل يعتقدون أن الله قد أرسل دونالد ترامب لكي يساعدهم لتحقيق تنبؤات التوراة وأهداف المتطرفين اليهود وأنهم يرون أن بقاء مسجد قبة الصخرة في مكانه يعيق تحقيق الخلاص المتمثل في بناء هيكل يهودي في مكان المسجد.
ما أن أدى ترامب القَسَم الرئاسي ودخل البيت الأبيض حتى صادقت اللجنة المحلية للتنظيم والبناء في بلدية القدس فوراً على إقامة 671 وحدة استيطانية يهودية خارج الخط الأخضر في القدس الشرقية، وأعلنت أنها بصدد المصادقة على بناء 11 الف وحدة سكنية اضافية في جميع انحاء القدس المحتلة، وصادق نتنياهو ووزير جيشه افيغدور ليبرمان على بناء 2500 وحدة استيطانية جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وجاء تعقيب الناطق الرسمي للبيت الأبيض على القرار ليؤكد على دعم وتشجيع التطرف والعدوان الإسرائيلي في رفض إدانة هذا العدوان مكتفياً بالقول إن الرئيس ترامب سيبحث هذا الموضوع خلال اجتماعه المرتقب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الشهر المقبل، وأكد أن إسرائيل هي صديقة مهمة بالنسبة للولايات المتحدة وأن ادارة ترامب ستعمل على أن “تتم معاملتها باحترام في الشرق الأوسط.”!! لقد وصل استهتار الولايات المتحدة بالعرب وحكوماتهم أن يطلبوا منهم بكل وقاحة إظهار الاحترام لدولة الاحتلال والعدوان والإجرام والعنصرية في الشرق الأوسط. ماذا كانت فعلت الولايات المتحدة لو أن دولة تقوم بواحد في المائة ضدها بما تقوم به إسرائيل ضد العرب؟
إن حالة الضعف والانقسام والحروب المشتعلة في أرجاء الوطن العربي يجب أن لا تعمي بصيرة ترامب والإدارة الأميركية عن حقيقة وحدة الشعب العربي والإسلامي ومشاعره الراسخة تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام والقدس بشكل خاص. فإن قرار نقل السفارة من تل أبيب إلى القدس واعتراف أميركا بالقدس عاصمة لإسرائيل سوف يؤجج لهيب غضبة الشعوب العربية والإسلامية ضد أميركا ويكون له تداعيات كارثية عليها وعلى إسرائيل والأنظمة المتواطئة معهم، ويدخل المنطقة في مرحلة جديدة وتحالفات جديدة.
ولكن في المقابل فإن بإمكان دونالد ترامب أن يحول قرار نقل السفارة إلى قرار تاريخي يحظى بترحيب ودعم دول وشعوب العالم والغالبية العظمى من الأميركيين والإسرائيليين، ويدفع لتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وذلك من خلال الإعلان أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تنقل سفارتها إلى القدس الغربية، وتعترف بدولة فلسطين، ورفع صفة القنصلية الأميركية في القدس الشرقية لمستوى سفارة، ودعوة نتنياهو والرئيس عباس لواشنطن لاستئناف مباحثاتهما من النقطة التي توقفت عندها لحل العقبات أمام التوصل لاتفاقية السلام المنشودة. هذا القرار يتلاءم مع موقف الولايات المتحدة بالحل القائم على قيام دولتين في فلسطين التاريخية، وقرارات هيئة الأمم المتحدة بدءاً من قرار التقسيم الذي بناءً عليه أنشأت إسرائيل، وحقيقة أنه في النهاية لن يكون هناك إلاَّ هذا الحل لتحقيق السلام.
بهذا القرار يكون السيد ترامب قد نفذ ما وعد به، ويكون من الصعب على إسرائيل والموالين لها معارضة هذا القرار بدون أن يحظوا بسخرية واستياء العالم وإظهار وجههم الحقيقي الرافض للقرارات الدولية وتحقيق السلام.
لقد حان الوقت للولايات المتحدة الأميركية أن تتعامل، كدولة عظمى، بمصداقية ومسؤولية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي وتتبنى السياسة القائمة على مبادئ العدل والقانون الدولي وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على أرضه وفي وطنه. باستطاعة ترامب أن يقوم بذلك إن أراد لما يتمتع به من هامش من الجرأة والاستقلالية ويستعيد بعض ما فقدته الولايات المتحدة من احترام حول العالم.
في المقابل فإن موقف الحكومات العربية بشكل عام والحليفة مع الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص لغاية الآن غير مريح ولا يتلاءم مع مستوى خطورة الموقف والتعامل مع الحدث الكارثة قبل وقوعه. المطلوب هو تحرك عربي جاد يأخذ المواضيع بجديتها والتفاعل معها، واستعمال نفوذهم الضائع، وليس ترك الساحة لإسرائيل واللوبي الإسرائيلي يمارسون نفوذهم وضغطهم، والانتظار لوقوع الحدث الكارثة للاكتفاء برد فعل متأخر كسول فارغ من أي مضمون أو تأثير.

رابط مختصر