ترامب بين نظرية فائض الجموح وفائض القوة


مشاهدة
أخر تحديث : الإثنين 16 يناير 2017 - 12:10 مساءً
 ترامب بين نظرية فائض الجموح وفائض القوة

احمد غنيم

الرئيس الأمريكي الذي لا يختلف أحد على أنه ليس فاقد الخبرة في إدارة الحكم فقط ،  بل هو فاقد الخبرة بالسياسة الدولية والقانون الدوليأيضا، إن التصريحات المتلاحقة التي صدرت عنه خلال الحملة الانتخابية أو بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 ، تشير بوضوح إلى جموح سياسي فائض، مدفوع بالغرور الشخصي والنزعة إلى تأكيد الذات،  والظهور بصفة الشخصية القوية التي تتقدم إلى الأمام دائما ولا تتراجع ، فهو مصر على عدم التراجع عن مناخ المنافسة الذي تطلبته الحملة الانتخابية، بما احتوته من مواقف وتصريحات غالبا ما تستهدف كسب أصوات الناخبين خاصة اليهود منهم ورضى اللوبي الصهيوني،  ولا تعبر عن قناعات سياسية راسخة لدى غالبية المرشحين لموقع الرئاسة الأمريكية، الأمر الذي تعود عليه الساسة الأمريكيين والمواطن الامريكي نفسه، وقد كانت تلك التصريحات تسقط من أجندة الرؤساء المنتخبين في الولايات المتحدة الامريكية فور دخول الرئيس إلى البيت الابيض، لأن إدارة الحكم تختلف  بشكل جوهري عن إدارة الحملات الانتخابية.

صحيح أن الإدارت الأمريكية المتعاقبة حافظت على التحيز لصالح دولة الاحتلال وشكلت الغطاء السياسي الدائم لسياساتها العدوانية، استجابة للتكوين السياسي والفكري والاجتماعي للمجتمع الامريكي، ولضعف وزن ودور الجاليات العربية والاسلامية والفلسطينية في الولايات المتحدة، لكن ذلك التحيز لم يصل إلى حد اضفاء شرعية على الاحتلال والاستيطان أو نقل السفارة الامريكية إلى القدس،، الأمر الذي امتنعت عنه الإدارات السابقة رغم قرار الكونغرس .

واستنادا للمعلومات التي تتسرب عن محيط الرئيس المنتخب، يبدو أن الرجل ينزع إلى اجراء تغيرات في السياسات الداخلية والخارجية للادارة الأمريكية،  وهذا طبيعي ضمن مفهوم التداول السلمي للسلطة والتغير الديمقراطي، غير أن الديمقراطية كأدة للتغير المشروع،  لا تستخدم لإحداث انقلابات في التكوين الاجتماعي  الداخلي مخالف لطبيعة المجتمع أو الخروج عن الدساتير أو الشرعية الداخلية أو الخارجية  ” الشرعيةالدولية والقانون الدولي ” ،  ويبدو أن البنى التحتية التي ساهمت في نجاح الرئيس ترامب تمثل مزيج من نخب رأسمالية امبريالية وأجزاء من طبقة وسطى ذات نزعة عنصرية شوفونية ترفض الأخر، لم تنتخب ترامب الذي يستهدف تقليص خدمات الرعاية الصحية مثلا وإنما انتخبت ترامب العنصري الذي  راق لها خطابه الديماغوجي المعادي للاسلام ولأقليات أخرى في الولايات المتحدة، خاصة الأفريقية والمكسيكية، إن التصريحات التي تنطلق دون انضباط من فم الرئيس المنتخب والتي تعبر عن إرادة بتغير معظم السياسات الداخلية  التي اتخذها الرئيس اوباما خاصة في قانون الصحة العامة،  وقوانين متعلقة بالسياسات المالية والاقتصادية،  تشير إلى توجه نحو مزيد من الرأسمالية الاقتصاد وتقليص الانفاق على الخدمات العامة التي تستهدف الفئات الضعيفة والمهمشة في المجتمع ، إن جوهر التصريحات التي تصدر عن الرئيس المنتخب تظهر الرغبة في احداث انقلاب في السياسات الداخلية والخارجية الأمريكية وذلك بالتوقيع على جملة من القرارت،  التي سوف تشطب من التاريخ ليس مرحلة الرئيس أوباما فقط بل الأسس التي قامت عليها الولايات المتحدة الأمريكية، لقد شهد التاريخ ظواهر خطرة  جاءت بها الديمقراطيات التي تشكلت بنيتها التحتية من مكونات عنصرية، والمثال الأبلغ في التاريخ المعاصر ، صعود هتلر إلى الحكم من خلال انتخابات ديمقراطية،  انتجت سياسات داخلية وخارجية قامت على أسس عنصرية قادت إلى الحرب العالمية الثانية.

إن التصريحات المعادية للامم المتحدة التي صدرت عن الرئيس الأمريكي المنتخب يجب أن تشعل إضاءة حمراء في كافة مؤسسات المجتمع الدولي،  دولاً ومنظمات، فيبدو أن الرئيس الأمريكي المنتخب من حيث يدري أو لا يدري عبر عن سياسة انعزالية، تنزع إلى العودة بالعالم الى مرحلة ما قبل القانون الدولي،  عندما كان العالم يساس بنظرية فائض القوة،  التي انتجت الحروب الداخلية والحروب الاستعمارية  والحروب الدولية العالمية، التي كبدت العالم ملايين من القتلى والجرحى والمعاقين والمشردين، والحقت دمارا في دول العالم احتاجت عشرات السنين وطاقات بشرية ومالية هائلة لإعادة بناءه، إلى أن توصل العالم إلى قناعات ومبادئ سعت إلى تجنيب العالم ويلات الحروب والصراعات ، وكان في مقدمتها المبادئ الأربع عشر للرئيس الأمريكي ويلسون،  التي دعت إلى الحد من مسببات النزاعات الدولية تلك التي انتجت الحرب العالمية الأولى،  خاصة سباق التسلح والأطماع الاستعمارية، ودعت مبادئ ويلسون إلى مسؤولية الدول اتجاه الحفاظ على السلام الدولي إلى احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها وأن تتعامل كل دولة بوصفها دولة حرة تساوي بين مواطنيها وتحترم حقوقه وحقوق الدول الاخرى،وتتوجت جهود الرئيس الامريكي ويلسون ورئيس وزراء جنوب أفريقيا، جون كريستيان سمطس بتأسيس عصبة الأمم،  المنظومة الدولية المعاصرة الأولى التي أخرجت العالم من نظرية فائض القوة، إلى شرعه دولية لتجنيب العالم ويلات الحروب ، وتحد من النزعة الاستعمارية، وهي أوّل منظمة أمن دولية هدفت إلى الحفاظ على السلام العالمي والتي دعا ميثاقها في  البند 22 إلى عدم جواز ضم الأقاليم التي احتلتها الدول المنتصرة بالحرب بالقوة،  وإلى حق الشعوب في تقرير مصيرها ، غير أن الكونغرس الأمريكي رفض انضمام أمريكا لعصبة الأمم، و أن الغالبية في الكونغرس كانت من الجمهوريين، ومع الآمال التي تعلقت على عصبة الأمم إلا أنها لم تتمكن لعوامل متعدد من الحد من النزعة الاستعمارية للدول المنتصرة في الحرب خاصة بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، الأمر الذي أطاح بعصبة الأمم، وأنتج الحرب العالمية الثانية،  إلى أن نضج العالم إلى مستوى أهله من إنتاج منظومة دولية أكثر تطورا،  غير أنها لم تخرج العالم من نظرية فائض القوة تماما،  بسبب درجات من توازن القوى بين مجموعة من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية،  التي سعت إلى منظومة دولية تحافظ على مصالحها لكنها تنزع أيضا للحفاظ على الحد الأعلى من السلم والأمن الدوليين،  وتتجنب الانزلاق إلى حروب دولية كبرى،  وكان منح خمسة أعضاء من دول العالم حق الفيتو ، هو اقصى ما توصلت له تلك المنظومة من تنظيم استخدام نظرية فائض القوة  بدل إلغاءها .

غير أن الرئيس ترامب كما اوضحنا من حيث يدري أو لا يدري يسعى إلى إعادة العالم إلى الخلف ما يزيد عن مئة عام إلى حيث النزعة العنصرية والإنفلات من الشرعيات ومن القوانين الدولية المنظمة للعلاقات الدولية، وإلى سياسة تستخف بكل تلك المبادئ وتعتبر العالم مجموعة من الشركات المتنافسة والعلاقات الدولية محصلة  لسياسة الصفقات والمساومات والتنافس التي تقوم على اقصاء الخصوم واعتبار الحياة مجرد عملية تبادل تجاري تقوم على مفهوم الربح والخسارة دون وزن للقيم والقوانين .

وبالإشارة إلى تصريحات ترامب بخصوص الأمم المتحدة واستهزاءه بها وبدورها لا يمكن لنا أن نمر مر الكرام على هذا التصريح الخطير ، رغم ما نعتقده من ضعف في أداء الأمم المتحدة،  ولست هنا بصدد تناول ميثاق الامم المتحدة وجوانب الخلل الذي تحتويه والتي تمنح بعض الدول إرادة أعلى من دول أخرى الأمر الذي غيب العدالة  في منظومة الشرعية الدولية ، ما افقد الامم المتحدة القدرة على حل الكثير من النزاعات والصراعات الدولية التي تعارض  حلها مع مصالح الدول ذات حق الفتيو ، لكن هذا لم يكن ولن يكون مبرر للاطاحة بهيئة الأمم والسماح بانزلاق العالم إلى فوضى نظرية فائض القوة من جديد.

إن الامم المتحدة أدت دور مهم في حل العديد من النزاعات الدولية وجعلت العالم أقل توحشا خاصة بعد إقرار مواثيق سانده، منضمنهاالعهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية والاتفاقية الدولية لمناهضة كافة أشكال التمييز، ومجموعة من القواعد الآمره التي أقرها القانون الدولي،  والمتعلقة بمنع العدوان وحق الشعوب في تقرير مصيرها،  والتي ساهمت في الحد من  نزاعات الاستعمار ورغبات التوسع لدى العديد من القوى الاستعمارية، يجمع عدد كبير من الخبراء فيعلم النفس وفي السياسات الدولية أن لدى الرئيس ترامب  شخصية غير قابلة للتوقع لأفعالها، خاصة وأن تلك الشخصية ومع مكونات أخرى فيها تنزع إلى العنصرية و احتقار الاخر، والتسلط والاعتداد بالرأي إلى حد رفض أي رأي أخر، ناهيك عن الجوانب المتعلقة بتجربته  في صناعة امبراطوريته المالية، وفي المجال الاقتصادي وادارة الشركات،  أهلته لفهم خاص متعلق بإدارة الشركات،  التي تقوم على التنافسو إقصاء الخصوم و اعتبار الحياة مجرد عمليات تبادل للمنافع والصفقات بين من يستنفع و يستفيد من ذلك ، بعيد عن فهمادارة الدول وفهم انساني جامع للحياة باعتبارها أكثر تعقيد من إدارة الشركة ، فقد احتاج  الانسان عصور الى أن تحول من مستجيب تلقائي إلى نزعاته ورغباته إلى القواعد والقوانين التي تجعله عضوا في منظومة هي بالضرورة عضوة في منظومات أخرى تحتاج إدارة العلاقة بينها إلى التقبل واحترام الأخر والقواعد والقوانين الناظمة لكل علاقة .

لقد أطاحت السياسات العنصرية والفاشية والاستعمارية  بعصبة الامم المتحدة وانتجت الحرب العالمية الثانية ويبدو أن الساكن الجديد القادم الى البيت الابيض يريد أن يعود بالعالم الى نظرية فائض القوة ليطيح بالأمم المتحدة والقانون الدولي.

ان ما أعلنه الرئيس المنتخب ترامب بخصوص نقل السفارة الامريكية إلى القدس،  يعتبر مخالفا للقواعد الآمرة في القانون الدولي،  ويعتبر جريمة دولية يعاقب عليها القانون اسوة بدولة الاحتلال، لأنه ينقل الولايات المتحدة الامريكية من دوله متحيزه سياسيا لدولة الاحتلال، إلى دولة مشاركة بالعدوان على الشعب الفلسطيني،  وهو ليس اعتداء فقط على حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره ، بل مشاركة بالإعتداء على أرض دولة أخرى،  باعتبار فلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة ، وكونها دولة مراقب لا ينتقص من حقها في القانون الدولي كدولة ، لها حق السيادة على أرضها وحدوده وعاصمتها ، وإن وجود الاحتلال على أرض هذا الدولة والذي يعيق ممارستها سيادتها على الأرض، لا يلغي تلك السيادة مهما إدعى الاحتلال غير ذلك . فالقواعد الآمره في القانون الدولي  تمنح الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير  وتمنع العدوان عليه وتمنع احتلال أراضيه بالقوة، أو قيام أي دولة باعتماد تمثيل لها في دولة أخرى خلافا لرغبة ورضى وموافقة تلك الدولة .

من المهم للرئيس الأمريكي المنتخب أن يدرك قبل أن ينزلق إلى قرارات سياسية سوف يكون لها عواقب قانونية في حق الإدارة الامريكية ، أن يدرك أن اتخاذ قرار بنقل السفارة الامريكية إلى القدس أو الاعتراف بالاستيطان الاسرائيلي على أرض دولة فلسطين ليس قرارا سياديا من حق الولايات المتحدة أن تتخذه ، لأن هذا القرار ببساطة يمس بحق وسيادة دولة أخرى،   وسيكون مخالف لقرارات مجلس الأمن الدولي رقم 243 , 338 , 252, ،476،478 ولقرار الجمعية العامة رقم 19\67 الذي اعترف بفلسطين دولة مراقب، ولعشرات القرارات الأخرى ،التي تعتبر أن كل إجراء قامت به دولة الاحتلال في القدس بشكل خاص والضفة الغربية بشكل عام باطل ولاغي بما فيه من احتلال واستيطان وطرد الفلسطينين من أراضيهم ونقل سكان دولة الاحتلالإلى الاراضي المحتلة كما نصت اتفاقية جنيف،  وأن كون معظم تلك القرارات متخذة وفق البند السادس وليس السابع وعدم وجود آليات تنفيذ دولية لها لا يفقدها أي من أسس شرعيتها ، ولا ينتقص من حق الشعب الفلسطيني ودولة فلسطين في اللجوء للمؤسسات الدولية بما فيها محكمة العدل الدولية ومحكمة جرائم الحرب،  ضد أي إجراء أو قرار تتخذه الإدارة الأمريكية أو غيرها من الدول والحكومات، بالاعتراف بالإستيطان الاسرائيلي على أرض فلسطين أو أي إجراء يمس حق الشعب الفلسطيني في أرضه وعاصمة دولته.

إن مجرد التصريحات التي اطلقها الرئيس المنتخب ترامب ، والتسريبات من المحيطين به ادخلت الساسة في إسرائيل إلى حالة من الجموح والتهور،  لدرجة بدأ البعض يعد مشاريع القوانين التي تهدف إلى ضم اجزاء من الضفة الغربية مثل مستوطنة معاليه ادوميم إلى اسرئيل،  بل بات البعض يتحدث عن ضم كل الضفة الغربية إلى اسرائيل، إن تصريحات ترامب الفالته من عقالها لو قدر لها أن تتحول إلى قرارات وسياسات سوف تشكل خطرا ليس فقط على الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني، وإنما على المنظومة السياسية الدولية وعلى ثبات قواعد ومرتكزات القانون الدولي،  وعلى استقرار المنظومة الدولية برمتها،  وبالتالي على الأمن والاستقرار العالمي،  وقد تعيدنا إلى حالة من الصراع الدولي،  غادرها العالم بملايين الخسائر في الارواح، ولا يسعى أحد على المستوى العالمي العودة اليها، فهل ينزل القادم الجديد إلى البيت الابيض من علياء غروره وجموحه السياسي الفائض قبل أن تطأ قدماه البيت الأبيض،  وإن لم يفعل هل سوف تسمح المؤسسة الأمريكية بمكوناتها الإستراتيجية الأمنية والعسكرية والفكرية والسياسية له بأخذ الولايات المتحده إلى مواجهة مع الأمم المتحدة ومع العالم .

رابط مختصر